الجمعة، 9 يناير 2009

وارثوا الشعوب

حتى في اليمن الذي كان سعيداً.. الدنيا حظوظ.. ومواريث أيضاً
تفوق الرئيس اليمني علي عبد الله صالح على جميع الرؤساء الذين حكموا البلاد قبله.. وحتى هؤلاء الذين مزجوا بين الدين والعشيرة والسياسة لينعموا بالسلطة لم ينجحوا في البقاء في الحكم لفترة تناهز تقترب من ثلاثة عقود كما فعل صالح.. والحبل على الجرار كما يقولون الرجل قال في حديث تلفزيوني لقناة الجزيرة أجراه معه أحمد منصور إن لا أحد يعرف اليمنيين مثله.. فهو يحكمهم منذ نحو ثلاثون عاماً.. وفي سؤال آخر عن اتهامه بمحاباة أهله وأقاربه وتوليتهم المناصب العليا في الدولة رد صالح بطريقة غريبة: كل اليمنيين أقاربي.. ونحن دولة مؤسسات
غير أن الحقيقة شيء آخر.. وبوسعنا -على سبيل المثال لا الحصر- أن نطالع ما ورد في موسوعة ويكيبيديا حيث نقرأ ما نصه إن صالح الذي لم ينل قسطاً من التعليم سوى ما تلقاه من دروس في كُتاب القرية.. قرَب منه إخوته من أمه وآثرهم بالمناصب..كما قرَب أبناء منطقته وزرعهم في الجيش ووظائف الدولة المهمة.. وكافأ من باعوا رفاقهم.. ومنهم شخص يسمى محمد خميس معطياً إياهم مسؤولية الأمن السياسي.. لتبدأ فترة مروعة على المثقفين اليمنيين.. فالأمن السياسي اعتقل منذ أواخر السبعينيات وحتى الثمانينيات جل المثقفين اليمنيين الناصريين أو المتعاطفين مع الناصرية.. أو الذين لا تعرف انتماءاتهم السياسية.. وخضع بعضهم لتعذيب مروع.. خصوصاً من كانت له منهم علاقات بالانقلابيين.. أو عرف عنه تعاطفه معهم
لكن اللافت أن الرئيس اليمني كان يردد باستمرار كلمة معينة: شعبيوآهٍ من أفاعيل وأباطيل ياء النسبفهذه الياء تجعل الشعب إقطاعية خاصة للحاكم.. الذي يظن أنه امتلك هذا الشعب وأنه الرئيس الضرورة الذي يتعلق أبناء هذا الوطن ببنطاله أو جلبابه باكين: يا أبي.. لا تتركنا وحدناوأحمد لم يسأل الرئيس صالح مباشرة عن أحمد.. أي نجل الرئيس اليمني الذي يصعد في السلطة ويجمع في خزانته مجموعة من المناصب والرتب من بينها قيادة قوات الحرس الجمهوري
*******
ذلك يذكرنا بما جرى من قبل في بلد عربي آخر هو سوريا.. حين أخذ الرئيس الراحل حافظ الأسد يعد ابنه باسل لخلافته.. إلى أن توفي الابن في حادث سير عام ألف وتسعمائة وأربعة وتسعين.. وسرعان ما انتقل الأب إلى ابنه بشار الذي خلف حافظ الأسد في المنصب بالرغم من وجود نائب للرئيس
إن المضحك المبكي أنهم أعادوا تفصيل الدستور السوري ليكون على مقاس بشار ومتناسباً مع عمره..إذ أقر مجلس الشعب السوري تعديل الدستور وخفض السن القانونية لتولي الرئاسة إلى الرابعة والثلاثين بدلاً من أربعين عاماً. ويقول بعض الخبثاء إنه كان الأحرى بهم أن يزيدوا عمر بشار بضعة أعوام بدلاً من خفض سن الرئيس في الدستور
*******
وحين نتابع أعمال المؤتمر السنوي للحزب الوطني الديمقراطي الذي تشهده القاهرة حالياً سنجد أن القاسم المشترك على المنصة هو جمال نجل الرئيس المصري حسني مبارك.. ولم لا وهو أمين لجنة السياسات في الحزب الحاكم الذي يرأسه والده؟! وبعد ذلك نجد من يقول إنه لا داعي للقلق من احتمال خلافة جمال مبارك لوالده الذي يحث الخطى نحو التسعين من العمر
*******
الشعوب تتفرج على ما يراد بها ولا تتحرك.. مع أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.. وأول تغيير هو الإصلاح في مختلف قطاعات المجتمع والقضاء على الفساد والجهل ونقص الوعي.. والكف عن السلبية القاتلة التي جعلتنا ميراثاً في صندوق السيد الرئيستلك أمثلة ثلاثة على الوراثة في دول عربية يفترض أنها ذات نظام جمهوري..لا نريد أن ننكأ مزيداً من الجراح فنضيف إليها ما هو كائن في ليبيا تحت قيادة العقيد معمر القذافي التي يتردد فيها اسم نجله سيف الإسلام.. ولا ما كان في العراق أيام صدام حسين ونجليه قصي وعديكانت هذه ممالك أو إمارات لما كان هذا شغلنا الشاغل -وتلك حكاية أخرى- غير أن العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم في دولنا بات في خبر كان وأخواتها.. فالحاكم يستبيح لنفسه حق التوريث السياسي أو يمهد الطريق لابنه وفلذة كبده كي يهبط على المنصب الرئاسي بالمظلات.. ويستعين في ذلك بأجهزة الأمن ووسائل إعلام مملوكة للدولة أو تسير في فلكها عملاً بنصيحة عبد الحليم حافظ: أمرك يا سيدي.. وتجمعات هشة يقال عنها إنها مؤسسات تشريعية مثل مجالس الموافقة وبرلمانات سلق القرارات.. وحاشية من ساسة وأصحاب أموال تعرف أن من مصلحتها بقاء الفساد على ما هو عليه
*******
تقفز إلى الذاكرة الآن قصة عبدالله بن عمر بن الخطاب.. ذلك الفقيه الورع الذي كان شديد الاقتداء بالسنة النبوية الشريفة وكان من أبرز رواة الحديث الثقات.. ومع ذلك.. لم يختره الفاروق عمر وريثاً لهبل إن عبدالله بن عمر ظل يرفض الخلافة حتى أواخر سنوات حياته يقول الحسن رضي الله عنه: لما قتل عثمان بن عفان قالوا لعبد الله بن عمر: إنك سيّد الناس وابن سيد الناس فاخرج نبايع لك الناسقال: إن والله لئن استطعت لا يراق بسببي محجمة من دمقالوا: لتخرجن أو لنقتلنك على فراشك.. فأعاد عليهم قوله الأولفأطمعوه.. وخوّفوه.. فما استقبلوا منه شيئاً
*******
الشعوب الحرة تختار من توليه أمرها بوعيٍ وإرادة ووفق أسلوب ديمقراطي نزيه.. ولا ترضى بأن تتحول إلى ياء نسب على لسان الحاكم.. ولا تقبل تصبح إرثاً ينتظر صاحبهوما أدراكم من الوارثون هذه الأيام
*******

ليست هناك تعليقات: